حسن ابراهيم حسن
408
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
الحروب والمواقع الحربية . ويقول المسعودي « 1 » : « وأحدث المتوكل في أيامه بناء لم يكن الناس يتعرفونه ، وهو المعروف بالحيرى الكمين والأروقة . وذلك أن بعض سماره حدثه في بعض الليالي أن بعض ملوك الحيرة من النعمانية من بنى نصر أحدث بنيانا في دار قراره وهي الحيرة على صورة الحرب وهيئته للهجه ( لشغفه ) بها وميله نحوها ، لئلا يغيب عنه ذكرها في سائر أحواله . فكان الرواق مجلس الملك ، وهو الصدر والكمان ميمنة وميسرة ويكون في البيتين اللذين هما الكمان من يقرب منه من خواصه . وفي اليمين منها خزانة الكسوة ، وفي الشمال ما احتيج إليه من الشراب . والرواق قد عم فضاؤه الصدر والكمين والأبواب الثلاثة على الرواق ؛ فسمى هذا البنيان إلى هذا الوقت بالحيرى والكمين إضافة إلى الحيري . واتبع الناس المتوكل في ذلك ائماما بفعله واشتهر إلى هذه الغاية » . حفل عصر بنى بويه بالعمارة التي ولع بها معز الدولة : فقد أنشأ في سنة 350 ه قصرا فخما شرقي بغداد ، أنفق عليه ثلاثة عشر ألف ألف درهم ، أي ما يقرب من مليون دينار ، ونزع ملكية المباني المجاورة لهذا المكان ، وأمر بخلع الأبواب الحديدية ببغداد والرصافة ونقلها إلى قصره . كما نقض دور الخلافة بسامرا « 2 » ، وأحضر مهرة البنائين « 3 » . وقد أصاب هذا القصر ما أصاب غيره من قصور الخلافة في سامرا على يد بهاء الدولة الذي شرع في تخريبه واستعمال أنقاضه في بناء قصره الذي بناه في سنة 418 ه « 4 » . كذلك كان عضد الدولة ولوعا بالعمارة ، وإليه يرجع الفضل في تعمير مدينة بغداد بعد أن أصايها التدمير بسبب إهمال شأنها مدة طويلة ، حين اتخذ بعض الخلفاء مدينتى سامرا والجعفرية حاضرة للدولة . لذلك أعاد عضد الدولة بناء كثير من مساجدها وأدر الأرزاق على القائمين بها من المؤذنين والأئمة والقراء . كما أعاد بناء ما تخرب من أرباض هذه المدينة وأمر أصحاب العمارات التي أصابها الخراب بإعادتها إلى ما كانت عليه وتجميلها ، وأمد العاجزين منهم بما يحتاجون إليه من مال . كما عمل على تجميل الأحياء الواقعة على ضفتي نهر دجلة ، وأقام الميادين والمنتزهات فامتلأت - على ما يقول مسكويه « 5 » - هذه الخرابات بالزهر والخضرة والعمارة بعد أن كانت مأوى الكلاب ومطارح « 6 » الجيف والأقذار ، وجلبت إليها العروس من فارس وسائر البلاد . كما عمل عضد الدولة على تجديد مادثر من الأنهار وأعاد حفرها بعد أن أهملت زمنا طويلا ، وأقام جسر بغداد وحصنه بالدرابزينات ،
--> ( 1 ) مروج الذهب ج 1 ص 369 . ( 2 ) نوع من الجبر ( المصيص ) . ( 3 ) مسكويه : تجارب الأمم ج 2 ص 183 : ( 4 ) ابن الأثير ج 9 ص 136 . ( 5 ) تجارب الأمم ج 2 ص 405 - 406 . ( 6 ) الأماكن التي تطرح فيها القمامات والجيف ونحوها .